محمد بن جرير الطبري
203
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عن مجاهد : تكتمون محمدا وأنتم تعلمون ، وأنتم تجدونه عندكم في التوراة والإِنجيل . فتأويل الآية إذا : ولا تخلطوا على الناس أيها الأَحبار من أهل الكتاب في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند ربه ، وتزعموا أنه مبعوث إلى بعض أجناس الأَمم دون بعض أو تنافقوا في أمره ، وقد علمتم أنه مبعوث إلى جميعكم ، وجميع الأَمم غيركم ، فتخلطوا بذلك الصدق بالكذب ، وتكتموا به ما تجدونه في كتابكم من نعته وصفته ، وأنه رسولي إلى الناس كافة ، وأنتم تعلمون أنه رسولي ، وأن ما جاء به إليكم فمن عندي ، وتعرفون أن من عهدي الذي أخذت عليكم في كتابكم الإِيمان به وبما جاء به والتصديق به . القول في تأويل قوله تعالى : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ قال أبو جعفر : ذكر أن أحبار اليهود والمنافقين كانوا يأمرون الناس بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ولا يفعلونه ؛ فأمرهم الله بإقام الصلاة مع المسلمين المصدقين بمحمد وبما جاء به ، وإيتاء زكاة أموالهم معهم وأن يخضعوا لله ولرسوله كما خضعوا . كما : حدثت عن عمار بن الحسن ، قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن قتادة في قوله : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ قال : فريضتان واجبتان ، فأدوهما إلى الله . وقد بينا معنى إقامة الصلاة فيما مضى من كتابنا هذا فكرهنا إعادته . أما إيتاء الزكاة : فهو أداء الصدقة المفروضة ؛ وأصل الزكاة : نماء المال وتثميره وزيادته . ومن ذلك قيل : زكا الزرع : إذا كثر ما أخرج الله منه ؛ وزكت النفقة : إذا كثرت . وقيل : زكا الفرد ، إذا صار زوجا بزيادة الزائد عليه حتى صار به شفعا ، كما قال الشاعر : كانوا خسا أو زكا من دون أربعة * لم يخلقوا وجدود الناس تعتلج وقال آخر : فلا خسا عديده ولا زكا * كما شرار البقل أطراف السفا قال أبو جعفر : السفا : شوك البهمي ، والبهمي : الذي يكون مدورا في الشلاء . يعني بقوله : " ولا زكا " لم يصيرهم شفعا من وتر بحدوثه فيهم . وإنما قيل للزكاة زكاة وهي مال يخرج من مال لتثمير الله بإخراجها مما أخرجت منه ما بقي عند رب المال من ماله . وقد يحتمل أن تكون سميت زكاة لأَنها تطهير لما بقي من مال الرجل ، وتخليص له من أن تكون فيه مظلمة لأَهل السهمان ، كما قال جل ثناؤه مخبرا عن نبيه موسى صلوات الله عليه : أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً يعني بريئة من الذنوب طاهرة ، وكما يقال للرجل : هو عدل زكي لذلك المعنى . وهذا الوجه أعجب إلي في تأويل زكاة المال من الوجه الأَول ، وإن كان الأَول مقبولا في تأويلها . وإيتاؤها : إعطاؤها أهلها . وأما تأويل الركوع : فهو الخضوع لله بالطاعة ، يقال منه : ركع فلان لكذا وكذا : إذا خضع له ، ومنه قول الشاعر : بيعت بكسر لتيم واستغاث بها * من الهزال أبوها بعد ما ركعا يعني : بعد ما خضع من شدة الجهد والحاجة . وهذا أمر من الله جل ثناؤه لمن ذكر من أحبار بني إسرائيل ومنافقيها بالإِنابة والتوبة إليه ، وبإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والدخول مع المسلمين في الإِسلام ، والخضوع له بالطاعة . ونهي منه لهم عن كتمان ما قد علموه من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بعد تظاهر حججه عليهم بما قد وصفنا قبل فيما مضى من كتابنا هذا ، وبعد الإِعذار إليهم والإِنذار ، وبعد تذكيرهم نعمه إليهم وإلى أسلافهم تعطفا منه بذلك عليهم وإبلاغا إليهم في المعذرة . القول في تأويل قوله تعالى : أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في معنى البر الذي كان المخاطبون بهذه الآية يأمرون الناس به وينسون أنفسهم ، بعد إجماع جميعهم على أن كل طاعة لله فهي تسمى برا . فروي عن ابن عباس ما : حدثنا به ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ أي تنهون الناس عن الكفر بما عندكم من